" وصية إلى : نفس زكية .. و روح نقية .. و عقل راجح ذكي .. و فؤاد مؤمن صفي.."

"أي بني :

اثبت على دأبك الصالح.. و اسبح في فيوضات فكرك الفاسح.. و انسج خيوط يومك الفالح .. هم في أعماق الفكرة.. و لا تجثو بين أحداق النبرة.. قيض لنفسك الهمم.. و انفض غبار الغشاوة و الحمم.. لا تسق عيناك مساق الفتن.. فتذق طعم الصبابة و المحن.. إنه وبيص حالك.. فاحذر و إلا امسيت هالك..

لا تنس وعدك المشهود.. و لا تنكث ميثاقك المعهود.. اثبت إذن على دأبك الصالح.. و اقتحم هوة كل طالح.. لا تمش بين الفلوات المقفرة.. بل الزم المسالك المقمرة.. اركب سفينة التقوى.. و ادرأ عن نفسك البلوى.. لا تزح ثوب النجاة عن قدك.. كن كأسلافك و سيرة جدك.. لا تكن أنت في ردك و صدك.. بل كن أنت مرآة لقلبك و حبك.. كن كما عهدت فيك رجلا جلدا صابرا.. و جلمودا مكافحا و مثابرا.. لا تأبهن بالدواهي و النوائب و الرزايا.. و لا تغرينك ذوات البهاء و العطايا.. كن للمثبطات متجاوزا.. و للعثرات قافزا.. و للمثالب مرمما.. و لغدك مصمما.. إياك أن تنتكص.. و احذر لنفسك أن تبتئس.. و لعقلك ان يبور.. و لقلبك أن يجور.. لا تخيب أملي و شموس غدي في يومك الذهبي.. كن ذاك الصنديد الأبي.. فأنت المستقبل و أنت الركن و أنت نشوة الحياة.. و أنت أريحية الروح السمحاء.. أنت صفاء السريرة.. و عبق الوجود.. لا تغفل تذكر أنك مجدود.. أخلص علمك و عملك لربك المعبود..

أي بني :

كبدي..فؤادي..نور مقلتي..لا تبلس بالقدر..فنعم الحال حالك..و بئست الحياة غير حياتك..احمدن ربك..و عد أهلك..و ارحم بالله من هلك قبلك..لا تغفو عيناك عن ربك تريد زهرة الحياة الدنيا و زينتها..بحبوحتها و بهجتها.. اسأل من ربك العفاف.. و ادعه الكفاف.. اسأله من دنياه عملا صالحا.. و صاحبة زهية سنية صالحة.. و اسأله من أخراه رضوانا و جنة و نعيما و خلدا عظيما..لا تتلهى نفسك عن أمورك و واجباتك..كن لوقتك ضابطا.. و لواجبك منظما.. و لنفسك مزكيا.. و لعصرك متقصيا.. لا تخبطن خبط عشواء.. و لا تخوضن معركة شعواء.. كن بين الحزبين مقتصدا.. و لا تكن مفرطا أو مكتسدا.. أنر طريقك بمشكاة عقلك.. و أخمد توهج نفسك و بركان نفسك.. بتلاوة وحي ربك.. و لذ إلى رحابه.. و ارتكن تحت ظلال جنابه.. فإنه سبحانه واسع المغفرة.. متقبل لكل معذرة.. لا يخذل عباده الصالحين.. و لا يردهم عن بابه خائبين..

"..قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعا. إنه هو الغفور الرحيم." صدق الله العظيم

-إلى ابني " محمد و أيوب " و إلى تلاميذي .. أهدي مقاصد هذه الوصية الروحانية الصافية.. المنبجسة من أعماق أوصال قيثارة الفؤاد .. بكل ما تحمله من معاني النصح و الإرشاد ..

- توقيع الأستاذ عزيز سشا

مهارة كتابة موضوع إنشائي متكامل حول نص نقدي : "الواقع الاجتماعي في الشعر" نموذجا

 يعد المنهج الاجتماعي أحد أهم المناهج النقدية الحديثة التي تأثر بها النقاد العرب المحدثون، وهو منهج ينظر إلى النص الأدبي باعتباره وثيقة اجتماعية، ويربطه بالوسط الاجتماعي الذي أنتج فيه. وقد اعتمد هذا المنهج في دراسة الظاهرة الأدبية، وبيان علاقتها بسياقها الاجتماعي، عدد من النقاد المشارقة والمغاربة، نذكر منهم: "طه حسين"، و"محمد مندور"، و"نجيب العوفي"، إلى جانب "محمد عويس محمد" الذي وظف هذا المنهج في كثير من دراساته النقدية ، ولعب دورا مهما في تطويره، وإبراز علاقة الأدب بالمجتمع، وخير شاهد على ذلك النص الذي بين أيدينا. فما القضية النقدية التي يطرحها ؟ وكيف طبق الناقد المنهج الاجتماعي على شعر الشاعرين: أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ؟ وما  النتائج التي انتهى إليها ؟و إلى أي حد ظل وفيا لآليات المنهج الذي يتبناه ؟ أسئلة و أخرى سنحاول الإجابة عنها من خلال هذه القراءة المنهجية المتكاملة .
يتضح بعد قراءتنا لبعض المؤشرات النصية " بداية النص + نهايته " و الخارج نصية " العنوان + المصدر ".أن النص ربما يعالج  موضوعا يتمثل في بيان علاقة شعر الشاعرين "حافظ إبراهيم" و"أحمد شوقي" بالواقع الاجتماعي المصري في مطلع القرن العشرين، والكشف عن هذا الواقع. ويمكن  فحص صحة هذا الموضوع من خلال مجموعة من الموضوعات المتضمنة في النص و الأفكار الجزئية المترابطة فيما بينها، وهي كما يأتي :
·    * تأكيد الكاتب وجود علاقة تفاعل نسبي بين الشاعر والواقع الاجتماعي الذي ينتمي إليه.
·    * إبرازه الفرق بين رؤية "حافظ" ورؤية "شوقي" لمصر ولواقعها الاجتماعي.
·    * ذكره أسباب اختلاف رؤيتي الشاعرين للإصلاح.
·    * الإشارة إلى اتفاق الشاعرين في الشكل العام والهدف، واختلافهما في المضمون .    
ويتضح مما سبق أن الناقد حلل شعر الشاعرين "حافظ" و"شوقي" باعتماد المنهج الاجتماعي، حيث كشف عن البعد الاجتماعي لشعر هذين الشاعرين، وأبرز علاقته بالواقع المصري الذي أنتج فيه، وبين رؤية كل واحد منهما لمصر ولواقعها الاجتماعي، وذلك من خلال شعرهما.
كما اعتمد في بناء نصه طريقة استنباطية (الانتقال من العام إلى الخاص) جعلته خاضعا لتصميم منهجي محكم، حيث استهل نصه بإبراز العلاقة التي تربط الشاعر عامة بالواقع الذي ينتمي إليه. ثم انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن علاقة شعر الشاعرين المصريين حافظ وشوقي خاصة بالواقع الاجتماعي لمصر خلال مطلع القرن العشرين. وختم نصه بالإشارة إلى اتفاق الشاعرين في الشكل العام والهدف رغم اختلافهما في المضمون. 
واستخدم الكاتب لغة نقدية تقريرية مباشرة واضحة، تلائم طبيعة النص النقدية، وتخدم غرض الناقد المتمثل في إيصال أفكاره إلى المتلقي وإقناعه بها. كما وظف مجموعة من المصطلحات والمفاهيم النقدية التي تحيل إلى المنهج الاجتماعي المطبق في النص، كالواقع الاجتماعي، والإصلاح، والظواهر الاجتماعية، والشعب.
كما استعان الناقد بعدد من أساليب الحجاج ووسائل الإقناع، مثل الشرح والتفسير (إبراز رؤية حافظ وشوقي لمصر ولواقعها الاجتماعي)، والمقارنة (بين الشاعرين حافظ وشوقي)، والاستشهاد (بشعر حافظ وشوقي)، والتمثيل (بحافظ وشوقي)، والتعليل (لأن هدفهما كان واحدا...)، والإثبات والنفي (كان تركيزه على كشف...وهو لم يغفل...)، والاستدراك (لكنه)، والتأكيد (بأن رؤية – لقد طالب...). 
ووظف مجموعة من الوسائل التي حققت للنص اتساقه وتماسكه، وأكسبته قوة تأثيرية وإقناعية، كحروف العطف (الواو، الفاء، أو...)، والأسماء الموصولة (اللائي، التي، اللواتي...)، وحرفيْ التعليل والاستدراك (لأن، لكن...)، وأسماء الإشارة (هذا، هذه، هنا...)، والضمائر (هو، هي، هن...)، والتكرار (الواقع الاجتماعي، المجتمع، مصر...)، والتقابل (التأثير # التأثر – الثبات # الحركة – اتفقا # اختلفا).
وليس هذا النص متسقا فحسب، بل هو منسجم كذلك، وإذا كان اتساقه تحقق بالأدوات الظاهرة المذكورة، فإن انسجامه تحقق بروابط أخرى غير ظاهرة، جعلته قابلا للفهم والتأويل، مثل سياق النص الذي يتمثل في النقد العربي الحديث المنفتح على المناهج النقدية الغربية الحديثة والمتأثر بمناهجه، خاصة المنهج الاجتماعي. وإلى جانب السياق نجد في النص مجموعة من القرائن النصية المحلية التي يؤول بعضها بعضا، والتي تحقق للنص انسجاما خفيا، وفي مقدمة هذه القرائن المصطلحات الموظفة في النص (الواقع الاجتماعي، المجتمع، الشعر...). أما مبدأ التغريض الذي يتحدد بكونه النقطة المحورية التي يدور حولها النص، والتي تعين غرضه، فتتمثل هنا في عنوان النص: "الواقع الاجتماعي في الشعر"، حيث إن غرض الناقد، انطلاقا من هذا العنوان، هو الكشف عن الواقع الاجتماعي في الشعر.    

يتضح مما سبق، أن الكاتب حاول في هذا النص  النقدي الكشف عن الواقع الاجتماعي في شعر الشاعرين حافظ وشوقي، في مطلع القرن العشرين، وذلك باعتماد المنهج الاجتماعي، واستخدام لغة تقريرية نقدية، وتوظيف أسلوب حجاجي، والاستعانة بمجموعة من الروابط الظاهرة والخفية التي حققت للنص اتساقه وانسجامه.
غير أن المنهج الاجتماعي وإن كان قد مكن الكاتب من الكشف عن الواقع الاجتماعي في شعر حافظ وشوقي، إلا أنه يظل عاجزا عن الإحاطة بالعمل الأدبي من كل جوانبه، لأنه يهتم بجانب واحد من جوانبه، هو جانب المضمون، ولا يلتفت إلى بنية النص الداخلية، وإلى جوانبه الفنية والجمالية التي يعتبرها جوانب ثانوية. و لعل هذا ما نلفيه حاضرا في المنهج النقدي البنيوي الذي يدرس الظاهرة الأدبية من داخلها على أساس أنها نظام متكامل قائم بذاته لا يمكن فهمه إلا في إطار مستوياته البنيوية الداخلية .

استخلاص البنية في رواية اللص و الكلاب

يسعى هذا المنظور إلى دراسة نظام النص العام، و البحث عن وحداته، و المبادئ التي تنتظم بواسطتها هذه الوحدات. ذلك أن النص يتأسس على مجموعة من العلاقات الدلالية و التركيبية التي تمنحه صورة معينة. و تنجم بنية النص عن تأليف مجموعة من صيغ التنظيم التي يمكن الكشف عنها عبر محاور من مثل:

  * بنية التأليف: يتتبع نجيب محفوظ في رواية ( اللص و الكلاب ) شخصية محورية تتمثل في شخصية "سعيد مهران" ، و يبتدئ هذا التتبع بلحظة خروج سعيد من السجن، لينتهي بلحظة استسلامه لرجال الشرطة بلا مبالاة، و بين لحظتي البداية و النهاية تشكلت الرواية من ثمانية عشر فصلا. إن ما يجمع بين فصول هذه الرواية ليس هو وحدة الشخصية المحورية فيها فحسب، بل أيضا تركيبة التقنيات الروائية المعتمدة فيها من : استباق و استرجاع و حذف و خلاصة ... مما أتاح للروائي التركيز على حبكة البطل، و كذلك استدعاء ما يسلط الضوء عليها، و يساعد المتلقي على تلقيها في شروط إيجابية. و هذا التعدد في توظيف التقنيات هو الذي يتيح للقارئ قراءة الرواية من وجهات متعددة و مختلفة: إذ يمكن قراءتها باعتبارها "رواية الشخصية"، كما يمكن قراءتها على أنها " رواية اجتماعية"، أو رواية استبطانية تستكنه الشفافية الداخلية... إلا أنها، في جميع الأحوال، رواية تعبر عن احتجاج الفئات الفقيرة داخل المجتمع المصري على مظاهر الفساد الاجتماعي من زيف اجتماعي و تنكر للمبادئ و الاستغلال و الانتهازية ...
   * التنظيم الزمني: تترك رواية "اللص و الكلاب" في المتلقي انطباعا بكونها رواية اجتماعية تقدم نموذجا لمعاناة الفئات الفقيرة في المجتمع المصري، لكنك عندما تغوص في عبقرية نجيب محفوظ، و قدرته على التلاعب بالزمن، تقف على إبداعه في تحويل الزمن إلى أداة تشخص بقوة أسئلة الفرد في هذا الزمن القاهر الذي لا ينسجم معه. من هنا فإن الزمن الطبيعي لا يبدو كثير الأهمية في الرواية إذا ما قيس بالزمن النفسي الذي ركزت عليه الرواية و جعلته نافذة تطل من خلالها دقائق الأمور و جزئياتها. لقد تميز الروائي في هذا الجانب المتعلق بالزمن النفسي/ الشخصي، إذ يسكت عن السنوات الطويلة في عالم الواقع، و يقف عند التمفصلات الزمنية في حياة الشخصية ، حيث نكتشف أن الزمن النفسي مرتبط بالشخصية، لا بالزمن، إذ الذات تتخذ مكان الصدارة، و يفقد الزمن معناه الموضوعي ليصبح منسوجا في خيوط الحياة النفسية. و يتجلى هذا الزمن في رواية "اللص و الكلاب" في الأزمة التي يعيشها سعيد مهران و ما تسببه في نفسه من إحباط و خيبة و عزلة...، فبمجرد ما تخطى أزمة السجن، حتى وجد نفسه داخل دوامة أزمة جديدة هي أزمة الخيانة المركبة التي عاشها مع كل من (نبوية و عليش و رؤوف)، مما جعل العالم يبدو في عينيه متأزما، متدهورا، أجوف لا روح فيه، ذلك أن جميع القيم التي آمن بها و ضحى لأجلها قد لابسها التحول في ممارسات الخونة، فاقلبت نبوية من محبة إلى خائنة، وعليش من تابع إلى واش، و رؤوف من معلم لقيم الاشتراكية إلى انتهازي و ليبرالي فاسد.
  *  التنظيم المكاني: لا يعتمد نجيب محفوظ المكان، في روايته هاته، إطارا تزيينيا أو تكميليا، يؤثت به فضاء الرواية، بل يعتمده مكونا أساسيا يبوح بما يفكر فيه الروائي، و يتيح إمكانية الكشف عما تعانيه الشخصية من صنوف الوحدة و الاغتراب و المعاناة. و يمكن كشف هذا التنظيم في الرواية من خلال الفضاءات التالية:
        السجن: المكان الذي تنفتح عليه الرواية، قضى فيه سعيد مهران أربع سنوات فقد خلالها حريته و عانى العزلة و الحصار و مرارة اكتشاف الخيانة. هو فضاء العقاب بدل أن يكون فضاء الإصلاح.
        بيت الجنيدي: مكان إقامة الشيخ علي الجنيدي الزاهد المتصوف، صديق والد سعيد، يحمل هذا الفضاء لرواده إحساسا بالسكينة و الطمأنينة، هو مأوى لا ينغلق أبدا، يلوذ به سعيد حين تشتد الأزمات عليه، غير أنه لا يشعر فيه بالراحة طالما لم يحقق انتقامه، ذلك أن مذهبه مختلف عن مذهب الشيخ.
        عطفة الصيرفي: فضاء يحيل سعيد على مفارقة شعورية، إذ فيه جزء من ذكرياته مع نبوية، أيام الحب و الوفاء، كما فيه ذكرى الاعتقال متلبسا بسرقة قضى إثرها عقوبة سجنية دامت أربع سنوات. لذلك تختلط اتجاهه مشاعر الرضى و مشاعر الامتعاض.
        شقة نور: فضاء كان يحقق لسعيد جزءاً من توازنه النفسي في مرحلة تخلى عنه الجميع و آوته نور في بيت متواضع، يطل على المقابر. فرغم أنه كان يحس بالضيق و التبرم من عدم قدرته على التصرف بحرية مخافة إثارة انتباه الجيران إلا أنه كان يجد في المكان قدرا من إنسانية مفقودة خارجه.
        مقهى طرزان: مكان التقائه بنور ماضيا و حاضرا، إضافة إلى كونه يمكنه من تلقي المعلومات عن أعدائه، و الأهم أنه في هذا المكان حصل على المسدس الذي يمكنه بواسطته الانتقام من الذين خانوه.

و تحضر في الرواية فضاءات مكانية أخرى تستمد أهميتها من مساهمتها في دينامية الأحداث، و يمكن أن نذكر من هذه الفضاءات ما يأتي:
·فيلا رؤوف علوان و ما تكشفه من صور الخيانة و الانتهازية.
· المقبرة و ما تحيل عليه من وحدة قاتلة و عزلة و اغتراب.

الجانب الأسلوبي في رواية اللص و الكلاب لنجيب محفوظ


*مستويات اللغة :
ـ لغة التمرد والغضب: وهي لغة "سعيد مهران" وهي تعكس الغربة التي يعاني منها في الواقع الاجتماعي الذي ماتت فيه القيم الإيجابية، وطغى فيه الظلم والفساد الاجتماعي.
ـ لغة تبريرية: وهي لغة الشخصيات التي تخلت عن مواقفها السابقة، لتعيش واقعها الجديد. وهي لغة "رؤوف علوان" ونصح بها صديقه "سعيد مهران" عندما زاره بعد خروجه من السجن. وتتعرض هذه اللغة للسخرية داخل الرواية، سواء من خلال ملفوظات "سعيد" أو "نور" أو "طرزان".
ـ لغة الوحدة والمعاناة: وهي لغة "نور" التي لا تتمنى سوى الشعور بالاطمئنان والهناء في هذا العالم الذي يشعرها بالضياع.
ـ لغة التصوف: وهي لغة "الشيخ علي الجنيدي" لا تستطيع هذه اللغة أن تتخذ موقفا ظاهرا من الظلم الذي يتعرض له سعيد مهران والشخصيات الفقيرة البئيسة التي تؤمن بقضيته.
*الأسلوب ورهانات النص:
إن الكتابة عن الغربة والضياع والوحدة التي يشعر بها الفرد في المجتمعات العربية عامة والمجتمع المصري خاصة، تتعدى عند نجيب محفوظ حدود الارتباط بالشخصية الروائية، والإيهام بالواقعية من خلال تشخيص ما يعترض مسيرة البطل من ضروب الانكسارات، فهي تساؤل وبحث مضن عن الاستراتيجيات الفنية الكفيلة بخدمة المضمون وتحديد ملامحه.لقد استثمر نجيب محفوظ في هذه الرواية اللغة وأساليب السرد بطريقة مبتكرة جعلت النقاد يعتبرونها لحظة انعطاف في تجربته الروائية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ابتعاد الكاتب عن الرؤية الواحدة والشمولية، ليفسح المجال أمام السارد والشخصية ليتبادلا معا الأدوار، ويضيئا الموضوع من كل جوانبه المختلفة. من هنا لا ينفصل الأسلوب عن الوسائل الأخرى التي وظفها الكاتب في هذه الرواية، بل ينخرط في إظهار الرؤية التي يقصد الروائي التعبير عنها، وهي إبراز التحولات الاجتماعية والسياسية وانعكاساتها على الفرد في المجتمعات العربية، وما نجم عنها من غربة وفساد.

القرآن الكريم كاملا بالرسم العثماني بصيغة وورد .... تحميل مباشر

نموذج تحليل قولة مقتطفة من المؤلف النقدي ظاهرة الشعر الحديث لأحمد المجاطي


أ- النموذج المقترح :

 جاء في المؤلف النقدي " ظاهرة الشعر الحديث" على لسان المجاطي ما يلي :

 " التقى هؤلاء الشعراء عند فكرة واحدة هي أن الشعر وجدان غير أن مفهوم الوجدان عندهم كان متباينا فقد أراده العقاد مزاجا من الشعور والفكر... حتى قيل بأن العقاد مفكر قبل أن يكون شاعرا، أما شكري فقد فهم الوجدان على أنه التأمل في أعماق الذات لأن المعاني عنده جزء من النفس لا يدرك بالعقل وإنما يدرك بعين الباطن أي بالقلب..."

-انطلق من هذه القولة و من قراءتك للمؤلف النقدي "ظاهرة الشعر الحديث " و اكتب موضوعا إنشائيا متكاملا تستعرض فيه ما يلي :
- تأطير القولة ضمن سياقها العام داخل المؤلف النقدي .
- توضيح الفرق بين تجربة العقاد وشكري و المازني حول مفهوم " الوجدان " الذي تغنى به شعراء الديوان .
- تبيان الجانب الأسلوبي و المنهجي الذي وظفه الناقد في مقاربة الموضوع .

ب- طريقة التحليل : 

  يعتبر مؤلف ظاهرة الشعر الحديث من المؤلفات النقدية التي واكبت تطور الشعر العربي عبر مختلف عصوره (العصر العباسي,مدرسة الديوان,مدرسة ابولو ,مدرسة الرايطة القلمية).ويعتبر احمد المعداوي واحدا من المؤلفين و النقاد المغاربة الذين واكبوا تطورات الشعر العربي الحديث بالدراسة و النقد و التحليل اعتمادا على كتب مهمة ساعدته في الفصل بين ثوابت الشعر التقليدي و قضية الشعر الحديث، فتمكن بذلك من البصم على أهمية مؤلفه النقدي في فترة كان التأليف فيها مطبوعا بالقلة و الندرة . فما هو إذن مفهوم الوجدان عند شعراء جماعة الديوان? و ما هي نقاط الاختلاف و التباين بينهم حول هذا المفهوم ? وما موقف المجاطي من تجارب كل من "العقاد" و"شكري" حول مفهوم الوجدان? و ما هي الآليات المنهجية و الأسلوبية التي وظفها في مقاربة هذه الظاهرة ؟ أسئلة و أخرى سنحاول الإجابة عنها في مساق هذه القراءة التحليلية للقولة قيد الدرس.
 تنتمي القولة التي بين أيدينا إلى القسم الأول من الفصل الأول الذي ينطلق فيه الناقد من مقاربة تحليلية لكل من التيار الإحيائي و التيارات الذاتية الرومانسية. و هكذا استهل الحديث عن مميزات التيار الإحيائي كخطاب أدبي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر للنهوض بالقصيدة العربية التقليدية و انتشالها من براثن الانحطاط و رواسب الجمود والتخلف و الدخول بها في مرحلة جديدة تأسست على بعث ينابيع القصيدة العربية في عصورها الذهبية مع فحول الشعراء، ومن بين الأسس التي دعت إليها هذه الحركة : - المحافظة على الموروث الثقافي القديم - المحافظة على ثوابت القصيدة العربية التقليدية من حيث اللغة والبناء ووحدة الروي والوزن والقافية "الإيقاع الخليلي" و الموضوعات والأغراض التراثية - مسايرة مستجدات العصر من حيث القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية... ومن أهم رواد هذا التيار الأدبي نذكر محمود سامي البارودي مؤسس مدرسة البعث و الإحياء بالإضافة إلى احمد شوقي الذي يرجع له الفضل في إحياء القصيدة العربية من خلال معارضاته الشعرية المتميزة و محاكاته لكبار الشعراء القدماء و يظهر ذلك جليا في معظم قصائده . لينتقل بعد ذلك الناقد إلى مناقشة التيار الرومانسي كخطاب أدبي جديد ظهر رغبة أكيدة لبعض الشعراء في تجاوز عصور الانحطاط التي رسختها مدرسة إحياء النموذج . هذا الخطاب الوجداني " الرومانسي " جعل من الذات بؤرة الإبداع الفني و كان من بين دواعي ظهوره التأثر الكبير بالثقافة الغربية ثم الارتماء في أحضان الطبيعة باعتبارها ملاذا لتفجير هموم الذات الشاعرة . و قد مثل هذه الحركة مجموعة من الشعراء تفرقوا في ثلاث مدارس أدبية : - مدرسة الديوان : نمثلها ب العقاد/ شكري/ المازني - جماعة المهجر أو الرابطة القلمية : جبران خليل جبران / ميخائيل نعيمة / إيليا أبو ماضي - جماعة ابولو : أبو شادي/ إبراهيم ناجي/علي محمود طه...
 ومن أهم الأسس التي يدعو لها هذا الخطاب :  اعتبار الذات مصدرا للإبداع الشعري و التأثر بالثقافات الغربية نتيجة التفتح على الحضارة الأوروبية ، لقد اختلفت كل مدرسة من حيث رؤيتها للشعر كمفهوم مركزي، فمن الشعراء من رأى أن الشعر وجدان مع ورود اختلاف و تباين فيه، و نخص بالذكر هنا شعراء مدرسة الديوان ، ذلك أن زعيمها "العقاد " يرى ان الوجدان" مزيج من الشعور و الفكر " وهو ما جعله يميل في شعره إلى التفكير ويظهر ذلك جليا من خلال قصيدته "الحبيب" التي يغلب فيها الطابع الفكري على الأحاسيس . أما " شكري " فاعتبره " تأملا في أعماق الذات بكل أبعادها الشعورية و اللاشعورية " إلى حد تجاوز فيه حدود الواقع و هذا ما حفزه على تجنب العقل المحض إلى تأمل ما يجول في أغوار ذاته الكسيرة والبحث عن بواعث شقائه و ألمه. وبالنسبة للمازني فإن الوجدان هو" كل ما تفيض به النفس من أحاسيس وعواطف " و هذا ما جعله يعبر عن انفعالاته بشكل عفوي و بصورة طبيعية تلقائية أي دون تدخل للعقل او توغل في أعماق النفس . وعندما نتجه إلى جماعة الرابطة القلمية نجدها قد وسعت مفهوم الوجدان ليشمل كل ما ينبثق عن الذات من حياة وكون وعلى هذا النحو اعتبروا الوجدان بأنه " نفس وحياة و كون " . أما جماعة ابولو فقد تغنى شعراؤها بآلام الذات و مفاتن الطبيعة و مباهجها و هو ما جعل الحياة عندهم تتراوح بين السعادة المطلقة و الشقاء المطلق . لكن سرعان ما عجل في وضع نهاية محزنة لهذا التيار الذاتي لأن شعراءه اغرقوا في البكاء واجترار نفس المواضيع المستهلكة ( كالحب و الاستسلام للموت و الألم و اليأس...) على مستوى المضمون اما على مستوى الشكل فقد فشل شعراء هذا التيار في وضع مقومات فنية تلائم القصيدة العربية فكان مصيرها الفشل .
و لتوكيد ماسبق اعتمد المعداوي في القسم الأول أسلوبا حجاجيا بامتياز يتأرجح بين التعريف و المقارنة و التفسير و التعليل و التوكيد و التحليل و التمثيل... و ذلك لإقناع المتلقي بأهمية الموضوع . فضلا عن استثماره لمنهج تاريخي فني يركز فيه على الجانب الفكري و الثقافي والاجتماعي الفاعل في عملية تطور الشعر العربي من خلال التيارات الشعرية المتعاقبة عليه.
ويتمثل هذا المنهج التاريخي في تحقيب الشعر العربي فنيا من خلال التوقف عند التيار الإحيائي و مدرسة الديوان وجماعة أبولو و تيار الرابطة القلمية ، و ربط هذه التيارات بالظروف التاريخية والاجتماعية التي كانت وراء نشأتها .
و ختاما لا يسعنا إلا أن نجزم القول بأن المؤلف النقدي " ظاهرة الشعر الحديث " قد تمكن بحق من الفصل في قضية الشعر الحديث و ذلك من خلال دراسة مختلف الجوانب اللغوية والفنية والتاريخية فضلا عن الإشارة إلى العوامل التي ساهمت في الدخول بهذا الشعر إلى مدارج التطور والتجديد في ظل نكبة فلسطين 1948 التي زعزعت الوجود العربي التقليدي و ساهمت بشكل كبير في بروز وعي عربي جديد أخرج الشاعر من تشرنقه الذاتي و قوقعته المغلقة لينفتح على العالم بثقافاته وحضاراته المتباينة معتمدا في قصائده على أساطير متنوعة ورموز مختلفة ، كان الهدف منها التعبير عن تجربة الذات الشاعرة دون قيود أو شروط مسبقة .

تدبير زمن التعلم في ضوء الإيقاعات المدرسية:

تدبير زمن التعلم في ضوء الإيقاعات المدرسية:
   ينص الميثاق الوطني للتربية والتكوين على أهمية تدبير الوقت، ويعتده ركيزة أساسية من ركائز التجديد والتغيير، ونمطا من أنماط الزيادة والرفع من الجودة، فاستعمال الزمن واستثماره في تدبير المكان والمادة الدراسية والموارد البشرية ضمن وحدات زمنية، كفيل بالرفع التدريجي من الجودة، فما هو السبيل إذن لوضع شبكة لاستعمال الزمن المدرسي تراعي الإيقاعات البيولوجية للمتعلمين؟.
أ-استعمال الزمن :
   لعل استعمال الزمن هو الأداة الرئيسية التي تضبط الإيقاع المدرسي على مستوى اليوم، الأسبوع، والسنة الدراسية، فعلى أساس ملء فضاءاته يبنى تقسيم العمل الدراسي "فالوحدة الأساسية في هذا التقسيم تبقى هي اليوم الدراسي، فإذا وضع نظامه بناءا على علوم الوثائر النفسية والحيوية للمراهق تنجح الوحدات الكبرى، أي الأسبوع والدورة والسنة الدراسية. وإذا كانت استعمالات الزمن تأخذ مرجعيتها من إرغامات خارج المدرسة فإنه آن الأوان كي توضع استعمالات زمن بناءا على عوامل داخل المدرسة ومن خصوصيات الفئات العمرية المتواجدة بها، فلا مناص من استضافة زمن المدرسة ضمن زمن المجتمع"[1].
ب-اليوم الدراسي :
   لا يمكننا أن نتصور اليوم الدراسي تصورا ميكانيكيا تقنيا يبدأ من ساعة الدرس الأولى، بل إن الأبحاث الراهنة تؤكد أن اليوم الدراسي يبدأ من لحظة تناول وجبة عشاء اليوم السابق، فبناءا على توقيت هذه الوجبة ومكوناتها يمكن الحكم على العنصر الأهم في اليوم الدراسي وهو نوعية وشكل النوم، كما ينص على ذلك "Magnin" ثم يتبع ذلك لحظة الاستيقاظ التي تشمل استيقاظا دماغيا ثم لحظة الاستيقاظ السلوكي[2].

دروس علوم اللغة - المجزوءة الرابعة- الفئة المستهدفة : الثانية باك آداب و علوم إنسانية



                                   دروس علوم اللغة - المجزوءة الرابعة- الفئة المستهدفة : الثانية باك آداب و علوم إنسانية
                                                         
                                                                          1 - الاتساق –
مثال الانطلاق:

" شاع في النقد الحديث البحث في الأصول الاجتماعية للعمل الأدبي أو تفسير الأدب بالنظر إلى أصوله الاجتماعية وتعليل نزعة الأدب بالنظر إلى موقعه الاجتماعي .وفي عملية التفسير هذه ،يوجه أنصار هذا الاتجاه اهتمامهم نحو مضمون الأثر ،لأنه أقدر على إبراز الدلالات الاجتماعية أو التاريخية أو النفسية فيه ،ومن هنا كان بحثهم في مسألة تأثير البيئة والوسط الاجتماعي في مضمون الأثر الأدبي الذي لا يعدو أن يكون تعبيرا عن موقف اجتماعي محدد،واستجابة لموقف الطبقة التي يجد الأديب نفسه فيها ،ولذا لا يمكن أن يعد الأدب حدثا فرديا ، بل هو حدث اجتماعي يرتبط في شكله ومضمونه واتجاهاته الفنية بظروف المجتمع وتياراته المختلفة "   

- ملاحظة و تحليل المثال :

جمل النص تخضع لعملية بناء منظمة ومترابطة تركيبيا ودلاليا، كل جملة تؤدي إلى الجملة اللاحقة وقد تحقق هذا التعالق بواسطة أدوات و وسائل لغوية ، ويعرف هذا الترابط المنظم بين الجمل بالاتساق و هو الذي يضمن تماسك النص وتمييزه عن اللانص وقد ساهمت في عملية الاتساق مجموعة من الوسائل والأدوات النحوية والدلالية وهذا ما جعل الاتساق يكون تركيبيا ودلاليا.
فالاتساق التركيبي تم عبر عملية الوصل بين الجمل إما بالعطف (و ـ أو ) أو بالأسماء الموصولة (الذي ـ التي ) أو التعليل (لأنه ـ لذا) أو الاستدراك (بل).
والاتساق الدلالي  تم عبر الإحالة  ووظف فيها الكاتب الضمائر (الهاء ـ هوـ هم) وهي تحيل على ما سبق أي إحالة قبلية ، وأسماء الإشارة (هذا ـ هذه ـ هنا )وهذه الأسماء منها ما أحال على سابق (وفي عملية التفسير هذه)أي إحالة قبلية،ومنها ما أحال على لاحق  (يوجه أنصار هذا الاتجاه) أي إحالة بعدية .
فالضمائر وأسماء الإشارة حققت اتساق النص بربط السابق باللاحق واللاحق بالسابق، كما أنها تحيل على عنصر موجود داخل النص(عملية التفسير هذه ) وتسمى إحالة نصية أو مقالية ، وقد تحيل على عنصر خارج النص ( يوجه أنصار هذا الاتجاه ) وتسمى إحالة مقامية.

*خلاصة:

الاتساق هو ذلك التماسك الحاصل بين المفردات والجمل المشكلة للنصّ، وهذا التماسك يتأتّى من خلال وسائل لغويّة تصل بين العناصر المشكلة للنص ، وهذه الوسائل اللغوية حققت الاتساق التركيبي والدلالي بين عناصر النص.
أ-الاتساق التركيبي:ويتحقق بوسائل لغوية كالوصل الذي يكون بأدوات الربط (و ـ أو ـ ف ـ ثم...) والأسماء الموصولة ( الذي ـ التي ـ الذين ...) وحروف التفسير  )أي ـ أعني ـ أقصد...) وتحقق الربط عبر عملية الوصل بين متواليات النص .
ب-الاتساق الدلالي: ويتحقق بالإحالة وهي علاقة دلالية بين عنصر محيل وعنصر محال إليه وبهذا تكون إحالة قبلية عندما تحيل إلى ما سبق ، وإحالة بعدية عندما تحيل إلى العنصر اللاحق ، كما تكون الإحالة مقامية عندما تحيل إلى عنصر خارج النص وإحالة مقالية أو نصية عندما تحيل إلى عنصر داخل النص.
ومن الوسائل اللغوية المعتمدة في الإحالة نجد الضمائر وأسماء الإشارة .


                                         2-الانسجام : تعريف الانسجام ـ مبادئ الانسجام ـ عمليات بناء الانسجام-

-مثال الانطلاق :

 "إن مؤرخي الآداب العرب ، وإن اتفقوا على القول بتأثير الوسط الاجتماعي في الأدب العربي الذي يظهر فيه ، لم يتفقوا على أي العوامل الاجتماعية يؤثر أكثر من غيره في الآداب ،فذهب زيدان والزيات إلى أن العامل السياسي هو المؤثر الأقوى في الأدب (...) ولكن طه حسين لم ير في ذلك رأيهما ، إذ العامل السياسي عنده لا يعدو أن يكون مؤثرا من بين مؤثرات أخرى عديدة في الأدب (...) وأما الرافعي فإن العامل السياسي عنده يؤثر في الأدب حينا ، ولا يؤثر فيه حينا آخر ."  

                                   حسين الواد " في تاريخ الأدب ـ مفاهيم ومناهج " المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1993 ط3 ص 76

- ملاحظة و تحليل الأمثلة :

  بقراءة النص يتبين أنه تحققت فيه شروط الاتساق تركيبيا ودلاليا ومعجميا عبر روابط ووسائل لغوية.
 وبتمعن مضمونه نعرف أنه نص نقدي يتناول قضية تأثير الوسط الاجتماعي في الأدب العربي ،فمكونات النص تجمع بينها علاقات متينة يدركها المتلقي، ويستطيع تأويلها تأويلا مناسبا ،وهو ما يحقق انسجامنا مع النص .

وهذا الانسجام تم عبر عدة مستويات أو مبادئ وعلى رأسها :
أ-مبدأ السياق : فعند قراءة النص عرفنا أنه نص نثري نقدي ويركز على قضية نقدية محددة وهي أي العوامل الاجتماعية أكثر تأثيرا في الأدب العربي.وهذا قربنا من النص وجعلنا ننسجم معه .
 ب-التأويل المحلي : ويتجلى ذلك من خلال قدرتنا على تأويل ما جاء في النص من مفردات تجمع بينها علاقات جعلتها منسجمة مع بعضها ومع القارئ فمؤرخي الأدب العربي نجد منهم في النص (طه حسين وأحمد الزيات وزيدان ثم الرافعي)وكلهم اهتموا بقضية تأثير الوسط الاجتماعي في الأدب العربي.
ج- مبدأ التشابه : بقراءة النص نجده يتشابه مع نصوص نقدية أخرى تهتم بالجانب الاجتماعي في الأدب العربي ، كالتي رأينا في درس النصوص ("علم اجتماع الأدب" ، لحميد لحمداني )،فتحقق الانسجام من خلال مبدأ التشابه.
د- مبدأ التغريض : يتمحور النص حول تيمة مركزية تتكرر عبر وحداته وهي الأدب العربي محور الدراسة في النص وفيه تصب كل المحاور الجزئية المطروحة ، فتحقق بذلك الانسجام عبر هذا المبدأ "مبدأ التغريض " ( الكلمة المحور ) .
وبتتبع مبادئ الانسجام المحصلة نجد أنها تحققت عبر مجموعة من العمليات التي قربت بين النص والمتلقي وأول هذه العمليات المعرفة الخلفية ،وهي المخزون الفكري والثقافي الذي يجعلنا نفكك و نؤول المفردات المختزلة في النص فنتعرف دلالاتها وأبعادها الفكرية ( تاريخ الأدب ـ الوسط الاجتماعي ـ طه حسين ـ العامل السياسي ..).
وهذه المعرفة الخلفية تمكننا من تنظيم أفكار النص من العام إلى الخاص حسب الأهمية فالنص دراسة أدبية نقدية تهتم بتاريخ الأدب العربي ،واختلاف المؤرخين حول أي العوامل الاجتماعية يؤثر أكثر من غيره في الآداب ،وكل هذه الخطوات تمت عبر العملية التنظيمية.

*خلاصة :
الانسجام في اللغة هو ضم الشيء إلى الشيء، و في الاصطلاح هو مجموع الآليات/ العمليات الظاهرة والخفية التي تجعل قارئ خطاب ما قادرا على فهمه وتأويله،وهناك مجموعة من المبادئ والعمليات التي تساهم في تحقيق الانسجام:
مبدأ السياق: ويتشكل من علاقة النص بالقارئ مما يمكنه من تحيد ظروف القضية وزمانها ومكانها ...
مبدأ التأويل المحلي : ويرتبط بقرائن النص التي يؤول بعضها بعضا ،فنعرف موضوع النص والعلاقات والقرائن التي تربط بين عناصره .
مبدأ التشابه: ويتم ذلك عبر تشابه النص مع نصوص أخرى في القضية التي يقاربها.
مبدأ التغريض: ويقصد به الموضوع الرئيسي/ [النواة الرئيسية] الذي يتمحور حوله الخطاب المدروس.
وهذه المبادئ ساهمت في تحققها عمليات أساسية ساهمت في بناء الانسجام منها:
ـ الخلفية المعرفية :وهي ما يحمله المتلقي من معلومات ومعارف تمكنه من التأويل والتفسير والتحليل .
ـ الخلفية التنظيمية : وهي ما نستحضره من تمثلات حول النص مرتبة بانتظام كتحديد مجال النص وجنسه ونمطه وخلفيته النظرية، مما يساعد على فهم النص والانسجام مع معطياته.

                                          3- أساليب الحجاج  : مشيرات التلفظ ـ مشيرات التنظيم -

أمثلة الانطلاق:

 "كان التراث بالنسبة لكثير من الحداثيين العرب أمرا من شؤون الماضي،الماضي الذي يجب أن نحقق معه قطيعة معرفية ،أليس هذا هو أبرز شروط الحداثة الغربية؟ بهذا وضعنا تراثنا البلاغي أمام "مرايا مقعرة "صغرت من حجمه .وقللت من شأن انجازات العقل العربي ،وما أفعله في الدراسة الحالية ليس أكثر من محاولة لإنصاف البلاغة العربية والعقل العربي، أردت بها أن أستبدل بالمرايا المقعرة مرايا عادية ،ليست محدبة تضخم من حجم تلك البلاغة وانجازاتها .كما أنها ليست مقعرة تقلل من شأنها وتصغر من حجمها ،مرايا تعكس الحجم الحقيقي لإنجازات العقل العربي والبلاغة العربية ،وفي ذلك لا أرى إلا أنني صاحب قضية أحاول إثباتها...

وتقديم البديل المقنع هو في الحقيقة مقدمة أهدافنا الثقافية ،إذ إن الواقع الثقافي العربي يؤكد عدم صحة المقولة التي يرددها البعض ،والتي ترى أننا تحولنا من استهلاك الحداثة الغربية المستوردة في الثمانينات ،إلى إنتاج حداثة عربية خاصة بنا في تسعينيات القرن العشرين ،وقد سبق لي أن وضعت الحداثيين العرب أمام تحد محدد:"فليحدد أحدكم تلك الحداثة العربية التي أنتجتموها؟!".

وما أفعله هنا أيضا بالدعوة إلى "وصل ما انقطع "هو محاولة رأب الصدع ،ووضع نهاية لثقافة الشرْخِ...".  
       ذ.عبد العزيز حمودة :المرايا المقعرة .نحو نظرية نقدية عربية .سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت غشت 2001الصفحة 13

- ملاحظة و تحليل الأمثلة:
     بقراءة النص يتبين أن الكاتب له موقف من التراث ،يدافع عنه بالرد على الحداثيين الذين تعمدوا إقصاء التراث باعتباره جزءا من الماضي،كما أنه لا يؤيد من يضخم التراث أكثر مما يستحق،معتبرا موقفه وسطا موضوعيا منصفا
ومن خلال هذا العرض يجادل الكاتب الموقفين مقترحا موقفا ثالثا ،وهذا ما يعرف بالخطاب الحجاجي حيث أورد الأطروحة(موقف الحداثيين المعارض للتراث) ونقيض الأطروحة (موقف المقدسين للتراث)ثم جاء بالتركيب الذي يطالب فيه بوضع التراث في حجمه الحقيقي دون حيف أو تحيز .
وبملاحظة طريقة بناء الكاتب لموضوعه نجد أنه توسل بمجموعة من مشيرات التلفظ كالضمائر التي تحدد أطراف الحجاج (الكاتب من خلال ضمير المتكلم : أفعله، أردت، لا أرى، أحاول، سبق لي، أفعله)و(والحداثيون من خلال ضمير المخاطب والغائب : كثير من الحداثيين العرب، فليحدد أحدكم ..،التي أنتجتموها).
وهناك أيضا الاستفهام (أليس هذا هو أبرز شروط الحداثة الغربية؟)،والأمر(فليحدد أحدكم تلك الحداثة العربية) والتشبيه(مرايا مقعرة) والشرح(إذ إن الواقع الثقافي العربي يؤكد عدم صحة المقولة التي يرددها البعض) والتفسير واستعمال المعجم الدال على الموقف (التصغير ،التقليل ،الصدع، /الإنصاف ، البديل المقنع ،رأب الصدع..)
ولأجل الدفاع وتحقيق الإقناع اعتمد الكاتب مشيرات تنظيمية منطقية تبدأ باستدلال عقلي عبر الاستنباط الذي يحكم به الكاتب على موقف الحداثيين من التراث، ثم الاستقراء من خلال تتبع وضعية التراث بين الحداثيين والمضخمين للتراث وما يصاحب ذلك من شرح وتفسير واستشهاد بوضعية الحداثة العربية، ومقارنة الحداثة عند العرب بين زمنين ...

*خلاصة:
الحجاج لغة : مصدر حاجَجَ أي نازع بالحجة، واصطلاحا هو نشاط إقناعي واستدلالي ، على شكل خطاب يوظف تقنيات لغوية وتنظيمية تسعى للتأثير في المتلقي لكسب تأييده ، وقد تعددت مجالات استعمال الحجاج بين الخطب والمناظرات والمرافعات القضائية والمقالات ،فتعددت بذلك الأساليب والإجراءات الموظفة في الإقناع ومنها:
1 ـ مشيرات التلفظ : وتمثلها العناصر النحوية والمعجمية ومنها "الضمائر وحروف الشرط والتوكيد والنفي والتفسير والاستدراك والتشبيه والاستعارة والطباق والأساليب الإنشائية التي تستجيب لخصوصيات العملية الحجاجية .
2 ـ مشيرات التنظيم : وتتعلق بمستوى الخطاب والمهارات الاستدلالية المنطقية كالتدرج في عرض المناقشة وفق أسلوب استنباطي واستقرائي مع التحليل والمقارنة والتعليل والاستشهاد .

المشاركات الشائعة

مشاركة مميزة

نماذج من الامتحانات الجهوية مع التصحيح للأولى باك الشعب العلمية بصيغة pdf ....

جهة طنجة تطوان الحسيمة العنوان العادية الإستدراكية الامتحان الجهوي في اللغة العربية اولى باك 2024 تحميل – الامتحان الجهوي في اللغة العربية ا...

المشاركات الشائعة

المشاركات الشائعة